الأرنب أكل الزحلفة قامت الزحلفة قالت له: كده تاكلني يا جاموسة"
ما سبق هي قصة قصيرة أبدعها عقل بنيتي الحبيبة منة الله خاصة وقد أصبح الآن من مهامها أن تحكي لي قبل النوم حكاية من خيالها الخصيب. لا تسل كيف يأكل الأرنب الزحلفة ، ولا كيف أنها وبعد أن دخلت معدته قالت له وبحنان الأم وعتاب المحب لحبيبه أو حبيبته: كده تاكلني يا جاموسة؟ ولا ما في كلمة جاموسة من رقة شديدة جدا تناسب طبع الأرانب ، وتتناص مع نص النصوص المتناصة حسب نظرية البنيوية ، وآخر ما وصلت إليه نظريات السرد الملوخية.
الأدب والكتابة عملية تلقائية بسيطة لا تحتاج إلى إعمال شديد للذهن ، وقدح لزناد الفكر والقرائح ، وإنما هي ببساطة أن تكتب للناس عن الناس كما يقول تولستوي. الموهبة هي التي تكتب لا الشخص ولو قدر لك عزيزي القاريء أن ترى مسودة أمير الشعراء شوقي لعلمت أنه حتى شوقي مع هذه الموهبة الجبارة كان – في رأيي الذي لا يلزم غيري- موهوبا في العروض لا الشعر.
بعض الكتاب يحب أن يتعلق بأيام طفولته ، ويكتب عنها سيما لو كانت بها تجارب صعبة وهذا مما لا بأس فيه ما دام الكاتب يهدف من بداية المقال إلى تحريك عاطفة نبيلة أو دفع وهم أو تغيير مزاج أو بسط أشجان. هنا أتذكر جيدا ما قاله أديب أمريكا الكبير إرنست هيمنجواي الذي انتحر في سن الثالثة والستين بإطلاق الرصاص على نفسه لا أدري لماذا؟ المهم كان يقول: كل كاتب يظل يكتب عن طفولته حتي يبلغ الأربعين. يقدم همنجواي العديد من النصائح لمن يريد أن يكون أديبا فيقول مخاطبا تلميذه أرنولد صامويل سون: كل كاتب يحرص على أن يخفي تجارب الشباب ، لا يريد أن يتكلم عن حبه وغرامه وعاطفته إلا في رواياته لتظهر الشخصيات باسم مستعار. كلمة همنجواي هذه عادية لكن بتطبيقها على مرحلة حديثة من الأدب العربي وبخاصة الأدب الروائي ستكشف لنا المزيد والمزيد عن كاتب السكس الأكبر نجيب محفوظ وروائي المص واللحس علاء الأسواني. أعرف أن الكلمات حادة لكنها الحقيقة بالفعل ولنا عودة إن شاء الله لتحليل ذلك وتفسيره حتى من وجهة نظر يسارية استنكرت هذه المبالغات الشديدة في وصف الجنس.
يواصل همنجواي : ينبغي للكاتب أن يتحرر من قيود العاطفة والانفعال وعندها سيكتب بعمق ، ومن الأفضل للكاتب أن يدخر الذكريات الضخمة حتى ينضج ويعرف كيف يقدمها للناس لأنه إذا كتب أروع ما عنده قبل النضج فلن يستطيع أن يرويه أو يقدمه مرة أخرى.
أخت من الأخوات الفاضلات تصر في مدونتها على أن تقول: هذه تجربتي باعتباري مبدعة مسلمة ملتزمة ، والحقيقة ، أني ورغم أن سمتي هو التدين لكني لا أدري أية حيلة نفسية دفاعية دفعت الكاتبة لتعلن أنها مسلمة ملتزمة فتقرن هذا الوصف بكلمة سيئة السمعة وهي كلمة إبداع. لا مشاحة في الاصطلاح لكن المشكلة أن الأخت الكريمة تصر على كتابة مجموعات هائلة مما تسميه القصة القصيرة تصر فيها على حشر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحاديثه الشريفة وآيات من القرآن الكريم لا أدري لماذا؟ فالقصة القصيرة ببساطة موقف أو حالة قصيرة يتطلب وصفها إحاطة بالزمان والمكان والحدث مع شيء من التفصيل وليس شرطا أن تختم بنهاية لكنها شيء والوعظ شيء آخر.
كان برنارد شو يقول: الموهوب يفعل وقليل الموهبة يشرح كيف يكون الفعل ، وهذا ما فعلته الأخت التي ظلت تؤكد أنها موهوبة ، وتأتي من اليمين واليسار بمقولات عن المدرسة الواقعية ومدرسة اللاقصة ومدرسة كذا ومدرسة كذا ، وأخيراً تتصل برئيس التحرير تشكو نقدي فيرجوني الرجل بأدب ألا أنقد أو أعلق ثانية على قصصها. ولعلك تعجب أن برنارد شو يوافقني الرأي في أن كثيرا من مسرحيات شكسبير سخيفة جداً لكن شو يبالغ ويقذع في نقده فيتمنى لو حفر حفرة ليهيل التراب على شكسبير وأدبه فلا يصبح له بعد اليوم صيت ولا ذكر.
إنها فتنة الأدب. إنه سحر اللقب. إنه عشق الصخب. أن يعيش الكاتب أدوارا مختلفة ، وأن يجرب في كتابته أن يكون مرهفا حتى لو كان فظا غليظ القلب. وسؤال مهم: ماذا نكتب ولمن نكتب؟ الكتابة بالقطع ليست وسيلة تغيير وإنما هي بمعاييرنا الحالية وبهذا الانفجار الكمي الرهيب وسيلة تسلية هذا إن أفلحت أصلا في التسلية. لكن الأمل معقود لأن الله تعالى أقسم بالقلم ولأن القرآن كلمات ولأن هذه الكلمات غيرت وجه التاريخ وحولت أعرابا بدوا قساة القلوب إلى أصحاب حضارة عظيمة يشهد بها القاصي والداني.
والملمح الآخر المتفشي بين كتاب العصر هو السوداوية المقيتة ، ولا أدري فهذه السمة ليست بالطبع مقصورة على عصر دون عصر ، ولو اطلعت على أدب الكاتب لابن قتيبة وهو من عيون الكتب التي تناولت الأدب والأدباء بالتقسيم والتصنيف والتفصيل ستجد في مقدمة المصنف شكوى مريرة من ضياع هيبة العلم والعلماء وشرف الأدب والأدباء مقابل الخنا والفجور والمال وملذات الدنيا الفانية. الجميل في ابن قتيبة هو ثقافته العريضة فهو تلميذ الجاحظ النابغة وفي مقدمته تراه يعنف أشد ما يكون التعنيف بعض الكتاب الذين استطابوا الدعة واستوطؤوا مركب العجز وأعفوا أنفسهم من كد النظر وقلوبهم من تعب التفكر حين نالوا الدرك بغير سبب وبلغو البغية (بكسر الباء) بغير آلة . لقد نعى عليهم ابن قتيبة كونهم لا يداومون على تثقيف أنفسهم ، ويروي بشيء من الأسى والحزن حكاية أحدهم ممن قرأ على الخليفة:" ومطرنا مطرا كثر عنه الكلأ ، فيسأله الخليفة عن معنى الكلأ فلا يعرف!
وبنص كلام ابن قتيبة فإنه قد كتب في كتابه هذا كتبا خفافا في المعرفة ، وفي تقويم اللسان واليد لكن الغريب والجميل والبديع ما يقوله ابن قتيبة من مئات السنين عن ثقافة الكاتب وأنه فرض على الأديب أن يعرف ما يلي:
ولا بد له – مع كتبنا هذه – من النظر في الأشكال لمساحة الأرضين ، حتى يعرف المثلث القائم الزاوية ، والمثلث الحاد ، والمثلث المنفرج ، ومساقط الأحجار ، والمربعات المختلفات ، والقسي والمدورات والعمودين ، ويمتحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر فإن المخبر ليس كالمعاين ، وكانت العجم تقول:" من لم يكن عالما بإجراء المياه ، وحفر فرض المشارب ، وردم المهاوي ، ومجاري الأيام في الزيادة والنقص ، ودوران الشمس ، ومطالع النجوم ، وحال القمر في استهلاله وأفعاله ، ووزن الموازين ، وذرع المثلث والمربع والمختلف الزوايا ، ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه ، وحال أدوات الصناع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته."
عدد ابن قتيبة كثيرا من المعارف الضرورية للكاتب من المعرفة بالفقه وأصوله ، ودراسة أخبار الناس ، وتحفظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره ممتثلا إذا كتب ، ويصل بها كلامه إذا حاور.
الأجمل والأجمل ما ختم به ابن قتيبة مقدمته: ونحن نستحب لمن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ، ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه ، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة ، وصناعته عن شين الكذب ، ويجانب – قبل مجانبته اللحن وخطل القول – شنيع الكلام ورفث المزح ، ويستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب ، وألا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام ، ولا رفيع الناس خسيس الكلام.
يتلو ابن قتيبة هذه المقدمة بباب المعرفة فيصحح مفاهيم خاطئة تداولها الناس والكتاب بغير فهم. وسأفصل هنا قليلا لأثبت أن الأمر لم يكن مجرد مواعظ ونصائح عامة يسديها ابن قتيبة بل كانت دروسا عملية ونقدا بناء وتصحيحا ضروريا. ومن ذلك مثلا كلمة الطرب حيث يذهب الناس إلى أنه في الفرح دون الجزع ، وليس كذلك ، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور ، أو لشدة الجزع حيث يقول النابغة الجعدي:
وأراني طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل
وقال آخر:
فقلن : لقد بكيت ، فقلت : كلا وهل يبكي من الطرب الجليد؟!
ومن ذلك الحشمة يضعها الناس موضع الاستحياء ، قال الأصمعي : وليس كذلك ، إنما هي بمعنى الغضب ، وحكي عن بعض فصحاء العرب : إن ذلك لمما يحشم بني فلان أي : يغضبهم.
ومن ذلك الحمام يذهب الناس إلى أنها الدواجن التي تستفرخ في البيوت ، وذلك غلط ، إنما الحمام ذوات الأطواق وما أشبهها مثل الفواخت والقماري (بتشديد الياء وفتح القاف) والقطا ، قال ذلك الأصمعي ، ووافقه عليه الكسائي ، قال حميد بن ثور الهلالي:
وما هاج هذا الشوقَ إلا حمامة دعت ساق حر تَرحة وترنُّما.
فالحمامة هنا قُمريّ.
وكقول النابغة الذبياني:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد.
قال الأصمعي : هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطا . قال: وأما الدواجن فهي التي تستفرخ في البيوت ، فإنها وما شاكلها من طير الصحراء يمام.
ومن ذلك القافلة يذهب الناس إلى أنها الرفقة في السفر ، ذاهبة كانت أو راجعة ، وليس كذلك ، إنما القافلة الراجعة من السفر ، يقال: قفلت فهي قافلة ، وقفل الجند من مبعثهم ، أي : رجعوا ، ولا يقال لمن خرج من العراق إلى مكة قافلة حتى يصدروا.
ومن ذلك الجبهة والجبين لا يكاد الناس يفرقون بينهما ، فالجبهة : مسجد الرجل الذي يصيبه ندب السجود ، والجبينان : يكتنفانها ، من كل جانب جبين.
ومن ذلك العبير يذهب الناس إلى أنه أخلاط من الطيب وقال أبو عبيدة: العبير عن العرب الزعفران وحده.
وأختم بالأخيرة اللذيذة:
ومن ذلك "مأتم" يذهب الناس إلى أنه المصيبة ، ويقولون : كنا في مأتم ، وليس كذلك ، إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر ، والجمع مآتم ، والصواب أن يقولوا : كنا في مناحة.
الحمد لله ابن قتيبة الأديب العلامة هو من قال إن مجرد اجتماع النساء سواء بالخير أو الشر مأتم.
للحديث بقية وسلام عليكم.