تركيا .. الواقع والأحلام
أردوغان ... هو عنوان هذا التحليل بالتأكيد , هو صاحب المواقف الشجاعة التى أحيت بعض الأمل فى نفوسنا بعد تخاذل حكامنا .. عشنا معه مواقف جريئة طوال حرب غزة لم نستطع معها اخفاء اعجابنا ودهشتنا ,, وكنت أول من أشاد به وبمواقفه المسئولة , ثم ما لبثت ان بحثت فى أصل الامور وأساس القضية ( من منطلق توضيح الحقائق كان لابد من نظرة سياسية عميقة للأمور تجنبنا السير وراء السراب) .. هل أردوغان فى مواقفه يمثل وجهة نظر تركيا الرسمية ؟ هل مواقف أردوغان تعبر عن مشروع اسلامى واضح المعالم والخطوات لبناء دولة اسلامية ؟ هل ستغير هذه المواقف الاعلامية شيئ على أرض الواقع من ردع اسرائيل وتقويض نفوذ أمريكا على الشرق الأوسط ؟ هلى سيحدث انفرجة قريبة فى قضية فلسطين المعقدة ؟؟ وهل تملك تركيا أصلاً كامل قرارها ؟ وهل وهل وهل ......... أسئلة كثيرة لابد أن تطرح بموضوعية وبعيداً عن المشاعر والعواطف
أقولها ثانية .. لا أحد يستطيع أن ينكر أو يتجاهل هذا المواقف الرائدة والشجاعة من أردوغان والتى كشف بها حكامنا العرب النائمين والتائهين .. ولكن ما بعد الحرب وعندما يتوقف الإعلام عن التصوير لن يبقى سوى أصل الحقيقة و لنعرف بداية العلاقة بين إسرائيل وأمريكا , وتركيا .. ـ
لمحة عن العلاقات الاسرائيلية التركية ( الحديثة ) ـ
شهدت الأشهر الأولى في سنة 1995 م تبادلاً مكثفاً لزيارات بين المسؤولين الإسرائيليين والأتراك توجت بزيارة الرئيس التركي سليمان ديميريل إلى إسرائيل واعتبرت زيارته هذه أول زيارة يقوم بها رئيس تركي إلى ( إسرائيل ) تم خلالها التوقيع على اتفاقات اقتصادية مهمة ( اتفاق التجارة الحرة ) إضافة إلى اعتماد اتفاق استراتيجي أمني وقعه مسؤولون عسكريون وأتراك في بداية 1996 م ينص على النقاط التالية :-
1- السماح للكيان الصهيوني باستخدام الأجواء والأراضي والمطارات التركية في عمليات تدريبية
2- التنسيق الاستخباري بين الجانبين في جمع المعلومات وخاصة عن سوريا وإيران
3- الاستفادة التركية من الخبرة والخبراء الإسرائيليين في مكافحة حزب العمال الكردستاني وخاصة عملياته في المدن
4- تقدم إسرائيل إلى تركيا خبراتها في مجال الصناعة العسكرية والتكنولوجية الإلكترونية المتطورة لتحديث الطائرات التركية المقاتلة
كما يحتوي ( اتفاق التجارة الحرة ) بين الجانبين على البنود التالية :ـ
1- إزالة الحواجز الجمركية بين الجانبين
2- أن يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبــين إلى مليـــاري دولار خلال العام 2000 بدلاً من " 363 " مليون دولار قيمة التبادل التجاري السابق
3- تمنح ما يسمى ( بإسرائيل ) تركيا جزءاً من حصتها في أسواق الولايات المتحدة في مجال صناعة النسيج وهي نسبة 35 % بعد أن تعمد الشركات ( الإسرائيلية ) إلى تصنيع الأنسجة في تركيا من أجل تصديرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية
* مشروع المياه : ـ
هذا المشروع يتلخص في إقامة محطة بمنطقة شلالات مناوجات على ساحل البحر الأبيض لجمع المياه بكمية 50 مليون طن سنويا – تمثل نسبة 3,8% من حاجة تل أبيب السنوية - قبل انحدارها نحو البحر، ثم تخزينها وضخها في أنابيب برية عبر الأراضي السورية، ثم دخول الأنبوب - تسميه بعض وسائل الإعلام التركية بأنبوب السلام- لشمال لبنان أو شمال شرق الأردن وبعدها الأراضي الفلسطينية، أو نقلها بالناقلات البحرية للساحل الإسرائيلي حال استمرار الاحتلال للأراضي السورية وعدم توقيع اتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل.. وتشير الصحف التركية إلى أن مدة الاتفاقية هى 20 سنة ، وأن المحطة التركية قد انتهى بناؤها في مناوجات بتكلفة 160 مليون دولار وبقي تنفيذ المشروع
وقد وصف مسؤول عسكري إسرائيلي هذه الزيارة بقوله أنها واحدة من أهم الزيارات التي قام بها رؤساء أركان أجانب إلى الكيان الصهيوني وستكون لهذه الزيارة نتائجاً جوهرية على مدى استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين
بعد هذه الاستعراضة السريعة لجزء بسيط من العلاقات الاسرائلية التركية الاستراتيجية نقع فى مأزق المقارنة .. مواقف تركيا الاعلامية وحقيقة السياسة السرية واتفاقات الغرف المغلقة
.
يقول سعد عبد المجيد فى مقاله بالجزيرة نت : ـ
" أيا كان تصنيف وضع حكومة حزب العدالة والتنمية من النواحي الفكرية والعقيدية والسياسية فإن الشيء الذي لا يمكن إغفاله هو أن تركيا دولة ذات دستور علماني لا يضع وزنا للدين. كما أن أي حكومة تركية مجبرة على الاستمرار في تنفيذ وتطبيق نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية أو الثنائية. لقد أجبرت حكومة حزب الرفاه (المحظور) ذات الميل الإسلامي بزعامة أربكان عام 96 –1997 على تطبيق اتفاقية التعاون الأمني والعسكري الموقعة عام 1995 على أيدي حكومة حزب الطريق القويم (اليمين العلماني برئاسة تانسو تشيلر)" ـ
ورغم استخدام لفظ " الاسلام العلمانى " من د/ عصام العريان فى مقاله بالدستور عن حزب العدالة والتنمية لم يرق للكثير الا انه مثل صدمة أفاقتنا من حلم جميل وحسناً قال الدكتور عن الحزب , ولم يقل عن الشخص فلا أحد يختلف على أردوغان قائدأ مسلماً فى زمن قل فيه القادة
الا أن مواقف أردوغان شيئ ومواقف الدولة التركية شيئ آخر .. أردوغان نعت اسرائيل بالدولة الارهابية عقب اغتيالها للشيخ أحمد ياسين واستدعى السفير التركى من اسرائيل .. وهاجم اسرائيل بضراوة فى حرب لبنان 2006 .. وقال فى بداية عدوان غزة : " إن إسرائيل ترتكب الإرهاب والقتل الجماعي .. وإن دماء الأطفال وأنات الأمهات الثكالى ستسحق قادة إسرائيل .. ويجب على إسرائيل إيقاف عدوانها على غزة .. إن حماس تثق بنا ومطالبها معقولة " , ولكن لا شيئ تغير فى العلاقات الاسرائيلية التركية
ألون ليئيل الأكاديمي المختص بالشأن التركي وكان سفيرا في أنقرة لعدة سنوات يرى أن " علاقات تركيا وإسرائيل شهدت منذ ستة عقود تقلبات ومدا وجزرا، لكنها تقوم على تبادل مصالح مشتركة هامة ، بيد أنه استبعد إمكانية أن تتطور الأزمة الحادة الحالية بين البلدين إلى حد استدعاء السفير التركي في تل أبيب كما فعلت عقب اغتيال الشيخين ياسين والرنتيسي ومع ذلك فإن مستقبلها رهن تطور هذه الحرب " , ولفت ليئيل إلى أهمية العلاقات التجارية المتبادلة بالنسبة للبلدين وإلى زيارة نصف مليون سائح إسرائيلي لتركيا كل عام، منوهاً إلى أن الأخيرة لن تلحق الأذى بنفسها بسبب الحرب على غزة
ويعتبر تسفي ألبيلغ المحاضر في جامعة تل أبيب أن تصريحات أردوغان بمثابة "حادث سير" لا يهدد مستقبل علاقات تركيا وإسرائيل، ويرجح أنها مرتبطة بالأوضاع الداخلية في المقام الأول وبالتفاعل مع الشارع التركي
فالآن نستطيع القول بأن ثمة فصل بين المواقف الشخصية والمواقف الرسمية وأن العاطفة التى جعلت جموع المسلمين يهتفون لأردوغان هى نفس العاطفة التى جعلت أردوغان يعبر عن مشاعر الملايين تجاه الكيان الصهيونى الغاصب
ان أقصى أمانينا الآن ألا تعود العلاقة التركية الاسرائيلية الى سابق عهدها مرة أخرى وأن يشوبها بعض التوتر بما يصب فى النهاية فى صالح العرب والمسلمين والمقاومة بالتأكيد .. وقد قال أردوغان نفسه ان مشروعه قومى بحت داخل حدود تركيا وهو سبب من أسباب الخلاف مع أربكان الذى يقول انه يحمل مشروعاً اسلامياً مختلفاً ذو رؤية استراتيجية بعيدة المدى تمتد الى ما بعد تركيا
أوراق الضغط على تركيا
هل تملك تركيا كامل قرارها ؟ وما هى أوجه الضغط الخارجى عليها بالاضافة الى الضغط الداخلى المتمثل فى الدستور العلمانى والجيش الراعى للعلمانية والشعب الراضى بذلك ؟ ـ
أولا : الانضمام الى الاتحاد الاوروبى , وتركيا تبذل مساعى رهيبة جداً للالتحاق بالاتحاد الا أن امريكا ودول الغرب تساوم تركيا بهذه الورقة لتقديم كثير من التنازلات
ثانياً : المكاسب الناتجة من العلاقة المتطورة مع اسرائيل اقتصاديا وعسكرياُ .. ويكفى دليلاً على أن المواقف الاعلامية لم تؤثر على شيئ , أنه في 27 يناير 2009 صرح وزير الدفاع التركي حلمي غولير بأن تركيا استلمت من إسرائيل إثنتين من أصل عشر طائرات من طراز هيرون بدون طيار المستخدمة لأغراض الاستكشاف والمراقبة الجوية الأمر الذي وصفه المراقبون بأن التوتر الذي ساد العلاقات بين تركيا واسرائيل في الآونة الأخيرة جراء أحداث غزة لم تؤثر على صفقة طائرات هيرون الاسرائيلية الصنع التي أوصت عليها تركيا. واشار غولير بأن تركيا استلمت الطائرتين في شهر ديسمبر الماضى على أن يتم تسلم الطائرات الثماني الباقية في شهر ابريل القادم (نقلاً عن وكالة الأخبار القطرية) ـ
ثالثاُ : الاكراد والحزب الكردستانى فى العراق (مخاوف تركيا من إقامة دولة كردية مستقلة بشمال العراق تلتحم مستقبلا مع الأكراد بمناطق شرق تركيا بما يعادل حوالي ثلث الأراضي التركية الحالية، وتركيا لا تخفي هذه المخاوف ) .. مع وجود تعاون وثيق بين الجماعات الكردية التركية الانفصالية من جهة، وبين “ الإسرائيليين ” من جهة أخرى. هذه المعلومات لم تعد سراً، فقد نشر الصحافي الأمريكي سايمون هيرش تحقيقاً كاملاً عن قيام الموساد الإسرائيلي بتدريب عناصر الحزب العمالي الكردستاني وتعزيز قدراته العسكرية .. وقد ذكر ذلك د/ وائل الريماوى فى تحليل سابق له
رابعاً : التهديد بالاعتراف بمذبحة الأرمن : وهى ثانى أكبر قضية بعد الهولوكست الألمانى وقد قامت بها تركيا عام 1915 ضد طوائف مسيحية بتهمة التحالف مع الروس يقال أن عدد الضحايا بلغ المليون فرد .. ولست بصدد فتح نقاشاً حول هذه المذبحة التى تثير جدلاً أكبر من جدل هتلر فى محرقته , المهم أن دولاً كثيراً تهدد تركيا بالاعتراف بهذه القضية والبدء فى اجراءات سياسية واقتصادية ضد تركيا وقد بدأت فرنسا بتلك الخطوات منذ عدة سنوات بالفعل
أخيراً فان المصالح التى لم تعد خفية لأمريكا تتمثل فى وجود نفوذ تركى وتواجد منها على الساحة الاسلامية والعربية لتقويض نفوذ وسيطرة ايران الممتد عبر سوريا ولبنان والعراق .. والدليل أن الاتفاقية التى أشرت اليها فى البداية تضم بنداً كاملا عن مواجهة ايران ( رغم أن أمريكا تفعل الشيئ نفسه مع ايران وتحاول استخدامها فى مصالح أخرى بأوراق ضغط أخرى ) ـ
بيد أن تركيا تفهم ذلك تماماً وهى تحاول اقامة توازنات اقليمية وسياسية تجعلها تتحكم فى مصيرها السياسى وحتى لا تكون دمية فى يد الآخرين .. بدأت بالاعتراف بحماس كحكومة شرعية ثم دعوة الغرب للتفاوض معها وكذلك الدعم المادى بالمعونات والمعنوى بالمواقف الاعلامية