كنت في الماضي أيام الصبا في الستينات أنظر إلي الجيل الذي سبقني فأجد معظمهم قد تزوج و هو دون العشرين فلما حان وقت أبناء جيلي للزواج وجدت أن الأعمار تخطت العشرين بكثير ثم جاء من هم بعدنا ليتجاوزا حاجز الثلاثين و اليوم نشاهد من هو في الأربعين و لم يتزوج بعد !!و لعل الناظر في أسباب ارتفاع سن الزواج و تأخير تكوين الأسرة يدرك أن هناك جديدا اقتحم مجتمعنا و غير من ثقافتنا لقد كانت الحياة في الماضي ميسورة دون أعباء تذكر فربما تزوج الشاب في بيت أبيه الكبير في الريف و أيضا لم يكن يجد أهل المدن مشكلة في وجود شقة للإيجار فضلا عن أن مستوي دخل الموظف كان يكفي حاجات الانفاق علي الأسرة و كان التوجه العام نحو الزواج من باب العفاف و تكوين الأسرة الصالحة و الذرية الطيبة . و لم تكن حالات الفساد قد استشرت علي هذا النحو و لقد كان الأقارب يتساءلون لماذا تأخر فلان عن الزواج ؟ و يحثون علي اتمام ذلك و كانوا يتعاونون فيما بينهم علي نفقات الزواج فلم تكن المهور غالية و لم تكن أسعار الأرض قد التهبت و تكاليف البناء قد ارتفعت ....
لقد كان كل شئ سهلا لم نسمع عن حالات عنوسة بسبب التكاليف . فكان الإقبال علي الزواج و علي سرعة الانجاب دون أن يشكل ذلك عبئا علي الدولة كما نشاهده الآن من سوء التخطيط و الانفتاح علي الغرب و تقليده و محاولة تحديد النسل و رفع سن الزواج و محاربة التعدد و تعقيد النظام الاجتماعي للاسرة مما يجعل من الزواج مشكلة أمام الشباب لا يريد أن يدخل اليها و يكتفي بالاستمتاع المحرم بحياته زاعما أنه لا يحب أن يجبس نفسه مع امرأة واحدة !!
و نسي أن دور تكوين الأسرة المسلمة من أهم أدواره في الحياة فالأسرة هي اللبنة الأساسية في مجتمعاتنا الاسلامية تقاس بها قوة و صلابة المجتمع .
إن هناك عقبات كثيرة أخري تقف مانعا أمام الشباب منها أزمة الثقة في شريك الحياة نظرا لحالة الفساد الأخلاقي و سهولة اقامة العلاقات المحرمة و أيضا حالات الطلاق الكثيرة التي تتزايد بسبب دعاوي حقوق المرأة مما جعل الحياة الزوجية أشبه بالمعركة الحربية و ليس مكانا للراحة و المودة و حسن المعاشرة ....
لا شك أن عزوف الشباب عن الزواج مشكلة قومية تحتاج إلي خطة شاملة من المسئولين علي جميع المستويات و يأتي دور الدعاة إلي الله لتبصير الشباب بدوره و حثه علي الفضائل و نهيه عن الرذائل و التصدي للتشريعات المغلوطة التي تؤدي إلي إفساد العلاقه بين الرجل و المرأة أو الاستهتار بالعلاقات الزوجية أو التهرب من المسئوليات المنوطة بالطرفين . إن العودة إلي الأوضاع الصحيحة أمر غير مستحيل إذا صدقت نوايا الاصلاح و تضافرت الجهود و توقفت مساعي الهدم و بادر الجميع إلي بناء المجتمع الذي نتمني أن نعيش لنراه و نسعد به و نباهي بمظهره الحضاري و جوهره النقي .....
و صلي الله و سلم علي سيدنا محمد