رجموه.. وقتلوه على كرسيه!
فى القانون لا توجد «مناطق محايدة»، والخروج من منظومة قانونية ما يعنى ـ بالضرورة ـ الدخول إلى منظومة قانونية أخرى، وعلى هذا فإن الخروج من «مبادئ الشريعة الإسلامية» باعتبارها «المصدر الرئيسى للتشريع» حسب المادة الثانية من الدستور، التى أعلن المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية أنه يريد تغييرها، يعنى الدخول إلى «مبادئ شريعة أخرى» هى ـ فى حالنا هذه ـ «قانون جستنيان»، قانون «روما» الذى تؤدى إليه كل الطرق، بقدر ما تستبعد غيره. ذلك أن الدعوة إلى أن «يكون الإنجيل أيضا من مصادر التشريع» والتى سمعنا من يصرح بها مؤخرا هى «محض سذاجة» إن أحسنا الظن، إذ عدا بعض التعديلات فى مجال «الأحوال الشخصية» فإن الإنجيل ـ تشريعيا ـ يحيلنا إلى التوراة «لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل» هذا ما جاء فى «إنجيل متى» الإصحاح 5/ آية 17. وهى الآية نفسها التى اختارها «نصرى سلهب» ليفتتح بها كتابه «فى خطى المسيح» ما يعنى الإشارة إلى أنها البداية الصحيحة للسير فى هذه الخطى. والناموس هو الأسفار الخمسة المنسوبة كتابتها إلى موسى عليه السلام من التوراة، والأنبياء هى الأسفار المنسوب كتابتها إلى غيره، وحسب ترتيب اليهود فى التوراة العبرية فإنها تقسم إلى: الأنبياء الأولين، والأنبياء المتأخرين. أما الترجمة السبعينية فتصنف بعض أسفار الأنبياء ضمن «الأسفار التاريخية» وتجمع الباقى فى سياق واحد هو «الأسفار النبوية». وعلى أية حال، فإن «الناموس والأنبياء» هى الأسفار التى تشكل التوراة فى معظمها، وآية «إنجيل متى» تحيلنا إليها، لنجد أنفسنا أمام المصدر نفسه الذى يستمد منه «العدو الصهيونى» قوانينه، ويشرعن به اغتصاب وطننا، وقتل أهلنا، ومصادرة معابدنا (مساجد وكنائس) بدءا بـ«دير السلطان» المملوك ـ وثائقيا ـ للكنيسة المصرية، وصولا إلى «الحرم الإبراهيمى» و«مسجد بلال»، بل و«المسجد الأقصى» المنتهك يوميا والمهدد دائما. وفضلا عن الرفض المنطقى لاتخاذ «شريعة العدو» مرجعية دستورية، فإن «الإنجيل» يبقى أحد المصادر المشار إليها ضمنا بين مصادر الشريعة الإسلامية فى قولنا «وشرع من قبلنا إذا لم يرد فى شرعنا ما ينسخه»، العبارة التى تفتح الباب لإنصاف «أهل الكتاب» بتطبيق شريعتهم المتعلقة بمناسكهم وشعائر عبادتهم وأحوالهم الشخصية، مع وضع مصفاة مهمة هى «إذا لم يرد فى شرعنا ما ينسخه» كضابط من غيره سنجد أنفسنا عبيدا للأعداء نطبق «لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب» كما جاء فى سفر «إشعياء»، السفر نفسه الذى استند إليه «جورج بوش» الأب والإبن فى ضرب العراق، والذى يقول عن مصر «مزج الرب فى وسطها روح غى فأضلوا مصر فى كل عملها كترنح السكران فى قيئه. فلا يكون لمصر عمل يعمله رأس أو ذنب نخلة أو أسلة. فى ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزة يد رب الجنود التى يهزها عليها». وحسب «إشعياء» فإننا لن نحصل على البركة إلا بعد الاحتلال واغتصاب أرضنا من النيل إلى الفرات، حيث يقول: «فى ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثا لمصر، ولآشور بركة فى الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلا مبارك شعبى مصر وعمل يدى آشور وميراثى إسرائيل». وهو كلام أفهم أن نعد فى مواجهته ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل دفاعا عن وطننا ضد من يريد احتلاله وعن حريتنا ضد من يريد استعبادنا، أما من دعا إلى القبول به مرجعية دستورية فهو ـ إن أحسنا الظن به ـ «ساذج» يهرف بما لا يعرف، وإن اعتبرناه عاقلا مسؤولا عما يقول فإن تقديمه للمحاكمة ضرورة، وإدانته نتيجة منطقية.
وباستبعاد «شريعة الأعداء» من مرجعيتنا الدستورية، تبقى أمامنا ـ حسب معطيات التاريخ والجغرافيا ـ منظومتا القانون الغربى: اللاتينية، والأنجلو أمريكية. وهما فرعان لهما أصل واحد، إذ تضرب جذورهما فى مجموعة الإمبراطور «جستنيان» القانونية، والفرق بينهما «تقنى» لا «أصولى»، حيث تلعب «المصادر المكتوبة» دورا أكبر فى المنظومة اللاتينية، بينما تتصدر «السوابق القضائية» المنظومة «الأنجلو أمريكية». وهنا أشير إلى أن منظومتنا القانونية الراهنة ـ ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدرها الرئيسى ـ استوعبت، بفضل مرونة هذه الشريعة، ما عرف فى البلاد العربية بـ«القانون اللاتينى» أو «القانون الفرنسى»، أى تلك الأحكام المستمدة من المجموعة القانونية النابليونية، الصادرة فى 27 من مارس 1804م، نقلاً عن مدونة «جستنيان»، لكنه استيعاب لا يرفعها ـ أو هكذا يجب أن يكون ـ إلى مرتبة «المرجعية التشريعية»، ويبقيها تحت هيمنة «الشريعة الإسلامية» باعتبارها ضمانة «الهوية الوطنية» التى تكفل أمن الجميع: المسلمين (طبعا)، والأقباط الذين سبق لهم أن عانوا الأمرين فى ظل قوانين «جستنيان»: وهو إمبراطور رومانى «بيزنطى ـ مسيحى ملكانى المذهب»، ولد فى 483م، وحكم منذ أغسطس 527م حتى توفى فى نوفمبر 565م. وبرغم أن زوجته «ثيودورا» كانت تميل لليعاقبة (مذهب القبط) فإن عصره كان نموذجا للاضطهاد الدينى لهم تحت شعاره الذى رفعه «دولة واحدة، قانون واحد، كنيسة واحدة»، ساعيا بالحديد والنار إلى فرض مذهبه على مصر. يقول الأب «متى المسكين»: «أرسل جستنيان أحد الولاة ومعه مجموعة من الجند وأمره بألا يبقى من رؤساء الأديرة القبطية إلا الذين يقبلون إيمان الملك، ومن يخالف هذا الإيمان ينفى أو يطرد. وكان من نتيجة هذا أن خرج الرهبان وتفرقوا فى البرارى والأديرة. وعلى سبيل المثال كان ضمن رؤساء الأديرة فى صعيد مصر القديس أبراهام الفرشوطى الذى ترك رئاسة الدير ومضى إلى دير الأنبا شنودة بجبل أدريبة وسكن فيه».
ويقول «د. سيد الباز العرينى» فى كتابه «الدولة البيزنطية»: «حضر مندوب جستنيان ليرغم الرهبان على الموافقة على عقيدة خلقيدونية. فوقف الأنبا دانيال بصفته قمص شيهيت (وادى النطرون) وشجب طومس لاون وعقيدة مجمع خلقيدونية علنا أمام الوالى، وثبت إيمان الآباء الرهبان وعزز من شجاعتهم، فما كان من الوالي والجنود إلا أن سددوا إليه ضربات كثيرة حتى قارب الموت، وبعدها قام هو وكثيرون من الرهبان وانحدروا إلى النواحى المختلفة فى مصر وتشتتوا فى البلاد. وتذكر سيرة حياة الأنبا دانيال أنه التجأ إلى مدينة تسمى تامبوك (شبراخيت) حيث أقام بجوارها ديرا ومكث فيه حتى مات جستنيان (565م) عندئذ قام وعاد إلى ديره فى شيهيت».
ويقول أيضا: «لحرص جستنيان على أن تكون له السيطرة التامة على الكنيسة لم يكتف بأن جعل فى يده التنظيم الداخلى لرجال الدين، مهما علت مكانتهم، بل رأى أيضا أن من حقه أن يحدد لرعاياه نوعا معينا من العقيدة، فما يتبعه الإمبراطور من مذهب دينى ينبغى أن يسير عليه رعاياه». فمن الذى يريد أن يكون «التنظيم الداخلى لرجال الدين مهما علت مكانتهم» فى يد الحاكم، وأن يكون من حق الحاكم «إجبار رعاياه» على نوع معين من العقيدة، لا من حيث «الديانة» فحسب، بل من حيث الملة والمذهب والطائفة أيضا؟ وهل اعتبار مثل هذه المرجعية دعوة إلى «الحرية» إلا «مغالطة» صريحة، بل «نصبا وتحايلا» يفترض فى الشعب البلاهة، وفى مصر أنها «ممسوحة الذاكرة»؟
وبمناسبة الذاكرة، فإنه، وفى أيام «جستنيان» كثر فى مصر عدد الذين يقولون أن ليس للمسيح إلا طبيعة واحدة حتى كاد أن يعادل عدد الكاثوليك. وبلغ من كثرتهم في الإسكندرية أن انقسموا هم أيضاً إلى طائفتين يعقوبيتين. وكان أفراد الطائفتين يقتتلون في شوارع المدينة بينما كانت نساؤهم يتبادلن القذائف من سطوح المنازل. ولما أجلست قوات الإمبراطور المسلحة أسقفاً كاثوليكياً في كرسي أثناسيوس كانت أول تحية حياه بها المصلون أن رجموه بوابل من الحجارة، ثم قتل وهو جالس على كرسيه!