مستشار التحرير: محمد القدوسي تاريخ العدد :2010/09/10 رئيس التحرير: طارق قاسم
 
الموقع الرسمى لجريدة بر مصـر :: حزب النهضة الاسلامي الطاجيكي... تحديات وعراقيل.. بقلم/ علاء فاروق
حزب النهضة الاسلامي الطاجيكي... تحديات وعراقيل.. بقلم/ علاء فاروق

علاء فاروق :: بتاريخ: 2010-03-10

حزب النهضة هو الحزب الإسلامي الرسمي الوحيد في آسيا الوسطى الذي يتمتع بحرية النشاط والحركة في ظل نظام علماني يمنع قيام أحزاب دينية، وللحزب مسيرة نضالية طويلة انتهت في النهاية بالاعتراف به وقام كيانه رغم انف العلمانية، وقد قاوم الحزب بكل قوة محاولات اجتثاثه والقضاء عليه وعلى رجاله وذلك لقدرته على الصمود عبر إدارة الصراع على الصعيدين العسكري والسياسي في آن واحد خلال أعوام 1992- 1997، وتوقيعه اتفاقية السلام الطاجيكية في موسكو في يونيو 1997، والعودة إلى كفاحه السلمي من جديد.
وتولى سيد عبد الله نوري قيادة الحزب طيلة سنوات كفاحه السري منذ 1973 أثناء الحكم السوفيتي، مرورا بسنوات الانفتاح والتغيير في عهد جورباتشوف، ثم في مرحلة الاستقلال بعد الانهيار السوفيتي وما تبعها من حرب داخلية شهدتها طاجيكستان، ثم مرحلة السلام والمشاركة في الحكم، إلى أن توفي عام 2006م، وخلفه محيي الدين كبيري الذي مازل يتزعم رئاسة الحزب حتى الآن.
مسيرته مع الانتخابات
لم يكن حزب النهضة الاسلامي مجرد حزب "ديكورى" كغيره من الأحزاب وكما هو معهود فى هذه الجمهورية السوفيتية السابقة التي يهيمن حزب الرئس الحاكم على حياتها السياسية، ورغم كل ذلك إلا ان هذا الحزب يتميز بايجابية كبيرة فى مشاركته فى جميع الانتخابات البرلمانية التى تحدث ورغم عدم حصوله الا على مقعد او اثنين في البرلمان المكون من 63 مقعدا، إلا انه يعيد الكرة مرة تلو الأخرى وكله امل ان ياتي اليوم الذي تكون له الأغلبية ورغم اختلافنا مع هذه النظرة في ظل سيطرة الحزب الحاكم إلا ان توقعها لم يعد مستحيلا.
وللحزب مسيرة "نضالية" مع الانتخابات البرلمانية في البلاد التى تعقد كل خمس سنوات، حيث ان تجربته الانتخابية تؤكد أنه موجود وقادر على المنافسة إذا جرت الانتخابات فى أجواء صحية ونزيه، ولكن كما هي العادة فى الكثير من جمهوريات اسيا الوسطى طالما توجد شبهات تزوير فى الانتخاات الرئاسية والبرلمانية ما يجعل فرصة هؤلا الاسلاميين وما يشابههم من معارضة ضعيفة جدا في الحصول على نصيب كبير في هذه الانتخابات وربما إذا حدث هذه سيكون بعد عشرات السنيين مع توافر عنصر الاصرار على التغيير.
وفي الانتخابات الأخيرة التي أجريت يوم الأحد (28 فبراير/ شباط الماضي)، وترشح فيها ثمانية أحزاب على رأسهم حزب الشعب الديمقراطي الحاكم "حزب الرئيس رحمان"، يليه حزب النهضة الإسلامي، وتمت الانتخابات في 41 منطقة في طاجيكستان، وبلغ عدد المرشحين في الانتخابات 135 فردًا .

وجاءت النتائج كما توقع الخبراء والمحللين وتوقعنا معهم أن هذه الانتخابات نتائجها محسومة قبل اجرائها، وفاز حزب النهضة الاسلامي بمقعدين وكأن هذا العدد أصبح ملازما له لا يزيد عنه ولا ينقص طيلة عمليات الانتخابات المتتالية.
ويبدو من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة أن العراقيل والتحديات مازالت توضع فى طريق حزب النهضة لتضعه على المحك، وربما لا يكون امام الحزب إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ للتراجع وترك الحياة السياسية ويكون بذلك أضاع تاريخا يمتد لما يقرب من 20 عاما من النضال السياسي على الصعيدين الرسمي والشعبي، وإما ان يلجأ لخيار العنف وعودة الحرب الأهلية مرة أخرى وهو قادر على ذلك لما يمتلكه من شعبية وايدلوجية لتحريك انصاره، وهذا أيضا سيعقد الأمور اكثر ويفقده تاريخه السلمى الذى انتهجه منذ تأسيسه، ومنذ عقد اتفاقية السلام الطاجيكي.
والحقية الحزب يمر بمرحلة صعبة جدا فرغم تقدمه على المستوى الشعبي إلا ان العراقيل السياسية التي تضعها الجهات الحكومية الرسمية في طريقه تحول دون تقدمه سياسيا، ولا تكتفى بذلك بل تقوم قرب كل عملية انتخابية باعتقال ابرز أعضاؤه وقادته، كما صرح محيي الدين كبيري لوكالة أنباء فارس أن السلطات الرسمية اعتقلت بعض المرشحين عن الحزب وكذلك اعضاء اللجان الانتخابية التابعة لهؤلاء المرشحين دون أي دليل أو مبرر قانوني، مؤكدا ان ذلك يحدث مع قرب اجراء الانتخابات البرلمانية.
اعتدال... أم ماذا؟
النتيجة الضعيفة التي حققها حزب النهضة جاءت على الرغم من الجهود الكبيرة الذي بذلها الحزب أثناء الحملة الانتخابية والتغيرات التي أجراها منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2005 - التي حصل فيها على مقعدين فقط أيضا- لكي يزيد من شعبية الحزب ويجتذب شرائح اجتماعية جديدة.
ويرجع الحزب أن سبب هذه النتيجة الضعيفة إلى التجاوزات والتزوير الذي تم في الانتخابات، والذي رصده بالإضافة لمراقبي الحزب مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
ويؤكد قادة "النهضة" أنه لو لم تزور الانتخابات لكان حزبهم قد حصل على 30% من أصوات الناخبين، إذ إن استطلاعات الرأي كانت قد وضعت حزب النهضة في المركز الثاني بعد الحزب الحاكم.
وتقلص هذه النتيجة من 30% إلى أقل من 1% يثير بعض التساؤلات هل الحزب يبالغ في توقعاته للعملية الانتخاية من قبيل ال"شو" الاعلامي ؟ وهل هذا الحزب يتمتع بشعبية تجعل نتيجته تصل لـ"30%" ؟ وهل النتيجة الخيرة ترجع الى تزوير الانتخابات فعلا أم ترجع الى عدم تمتع الحزب بشعبية كبيرة؟، كل هذه التساؤلات فرضت نفسها على حزب النهضة "الأمل الوحيد في التغيير".
وبمتابعتنا للحياة السياسية في طاجيكستان نقول: ربما جاءت هذه النتيجة لتكرس عملية الاستبداد بالسلطة وسيادة نظرية الحزب الأوحد في هذه الجمهورية وربما ترجع هذه النتيجة الى عمليات التزوير التى مارستها الأيدي الرسمية لتمرير الانتخابات للحزب المهيمن ويلوح في الافق سبب آخر لهذه النتيجة وهو حالة الخوف التي تتملك المواطن الطاجيكي حيث أنه جاء ليقترع في انتخابات يعرف نتيجتها مسبقا ومن ثم فلا داعي ان يدخل نفسه فى صدام او يضع نفسه فى القائمة السوداء او فى صف المعارضة مما قد يعرضه للكثير من المضايقات، وهذا ما يجعل الكثيرين ينصرفون الى انتخاب الحزب الحاكم او عدم المشاركة فى العملية الانتخابية اصلا.
ماذا بعد الانتخابات الأخيرة؟
العملية الانتخابية الاخيرة والنتيجة الضعيفة التى حصل عليها حزب النهضة أثبتت أن السلطات الرسمية في دوشنبه لن تسمح بأكثر من ذلك وهو ما نصطلح على تسميته "هامش ديمقراطي" ولسان حال السلطات "نحن أفضل من غيرنا" ولن تسمح ايضا للتواجد الشعبي الاسلامي الذي يقوده حزب النهضة مؤكدة له انه يكفيه شرف المشاركة لكن انخراط حقيقي فى الحياة السياسية فلا.
والسؤال الأهم هنا بعد انتهاء هذه الانتخابات -"محسومة النتيجة"- هل سيقى حزب النهضة على اجندته السلمية التي أكدها مؤخرا أنه سيعمل فى إطار دستور الدولة ولن يعود مرة اخرى للعمل المسلح ؟ أم أن تكرار هذا التهميش سيجعله يعدل في اجندته السلمية وربما لجا للعمل المسلح وقت الضرورة مما يهدد الجمهورية الطاجيكية بعودة العنف الى اراضيها مرة أخرى خاصة ان النهضة حزب لايستهان به ؟
لكن – ومن واقع قراءتنا – لأجندة الحزب الأخيرة يتأكد لنا أن الخيار السلمي والسياسي هو الخيار الاستراتيجي اما الحزب وأنه لن يحيد عنه ولن يلجأ للعمل المسلح مرة أخرى لمعرفته المسبقة لويلات الحروب الهلية خاصة انه ينبذ العنف ولا يسعى لعمل انقلابات او فتن داخلية، وختاما ما زالت العراقيل والتحديات العلمانية توضع امام الرمز السياسي الاسلامي فى بلاد ما وراء النهر لتوقف توغله الشعبي والرسمي ولكن هذه العراقيل تتزامن مع اصرار هذا الحزب على مواصلته مسيرته الاصلاحية التي ينشد من ورائها خير البلاد والعباد.

"*" مدير تحرير موقع آسيا الوسطى.



 أعلى الصفحة | نسخة للطباعة